فصل: باب: إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَل يُصَلَّى عَلَيهِ، وَهَليُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلامُ؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ ما يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّت

«مِنْ» ههنا أيضًا تبعيضيةٌ عندي، وذلك لأنه لا بد كون بَعْض مراتبِ النياحة تحت الجواز وإن لم نَقْدِر على تحديدها، لما قد ثَبَت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم الإغماضُ عن بَعْضِهَا كنياحةِ أُمِّ الأَخِ لجابر رضي اللَّهُ عنه حين استُشِهِد‏.‏ وفي البخاري‏:‏ أنَّ امرأةً بايعت النبيَّ صلى الله عليه وسلّم وترخَّصَت في النياحة مرةً قضاءً عَمَّا كان علهيا من نياحةٍ في الجاهليةِ‏.‏ فأجاز لها النبيُّ صلى الله عليه وسلّم واضطَّرَبَ فيه الشارحون، والصواب ما ذكره القرطبيُّ رحمه الله تعالى أنه لا بُدَّ مِنْ إقامةِ المراتب، والتحديد يَتَعَسَّر في مسألة‏.‏ ولذا صَرَّح السَّرَخْسِي رحمه الله تعالى‏:‏ أنَّ المسألةَ فيه عندنا أن يُفوَّضَ إلى رأي المُبْتَلَى به‏.‏ لا أريدُ به فَتْحَ بابِ النياحة، ولكن أريدُ فيه المستثنياتِ‏.‏

ثم لا بدَّ مِنْ الفَرْق بين الإغماضِ الرضاء‏.‏ فالذي أقول هو الإغماضُ في بعض الأحيان مع إظهار عدم الرضاء منها، وهو الذي أرادَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم في الباب الآتي فلم تبكي، أو لا تبكي، فما زالت الملائكةُ تُظِلُّه، ففيه عَدَمُ الرضاء مع الإِغْماض‏.‏

وظنيِّ أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى يريدُ أن يشيرَ إلى المُسْتثنياتِ، إلا أنَّه لم يتكلَّم بها لكونها غيرَ مُنضبطةٍ، فدلَّ على أن تَرْك الترجمةِ قد يكونُ لهذا المعنى أيضًا‏.‏

باب‏:‏ لَيسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوب

ومعناه على المَشْهُور ليس على طريقتِنَا وسُنَّتِنَا‏.‏ وكان سُفيانُ الثوريُّ يمنع عن تأويلهِ ويقول‏:‏ إنَّ مِثْلَ هذا الحديث ينبغي أن يترك على ظاهرِهِ ولا يُؤوَّل، فإنَّه يخف منه الوعيد‏.‏ والمقصودُ زَجْرُ الناسِ عنه والتخفيفُ يُخُلُّ به‏.‏

باب‏:‏ رَثَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم سَعْدَابْنَ خَوْلَة

1295- قوله‏:‏ ‏(‏عَام حَجَّةِ الوَدَاع‏)‏ ويقول بعضُهُم عامَ الفَتْح، فهو مِنْ اختلافِ الرواة‏.‏

1295- قوله‏:‏ ‏(‏يَتَكَفَّفُوْنَ‏)‏ ‏(‏اته يسارين‏)‏‏.‏

1295- قوله‏:‏ ‏(‏إلا أُجِرْتَ بِهَا‏)‏ وترشَّحَ منه أنه لَعله تَطُوْلُ حياتُهُ ولا يموتُ في هذا المَرَضِ‏.‏ ولذا سأل عنه فقال‏:‏ «يا رسولَ الله أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي‏؟‏» كأنه يسخبرُهُ عن حياته وموته، ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يجبه صراحةً‏.‏ والمرادُ من التخليف على هذا التقدير بقاؤه حياتُهُ‏.‏ ويمكنُ أن يكونَ مرادُهُ‏:‏ أنَّك تذهبُ إلى المدينةِ وأصحابُكَ معك ذاهبون، أفأَتخلَّفُ عنهم فلا أَقْدِرُ على الذَّهَابِ معك‏؟‏ فالتخليفُ إذن بمعنى بقائه يمكةَ وعدم ذهابه معه‏.‏ وكأنه يستخبرُه عن هجرتِهِ هل تَتِمُّ أو لا‏؟‏ فإنَّ الصحابةَ رضي الله تعالى عنهم كانوا يَعُدُّون الموتَ في غيرِ دَارِ هِجْرَتِهِم نَقْصَا‏.‏ ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلّم «إنك لن تُخَلَّف»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ يعني إنك إن بقيتَ ههنا ولم تَبْلُغ إلى المدينةِ فلا بأس، فإنَّك أن تعمل عملا صالحًا فَنَفْعُهَا نائلٌ إياكَ لا محالة، فهذا القَدْرُ من المنفعةِ حَاصِلٌ لك بمكةَ أيضًا‏.‏

1295- قوله‏:‏ ‏(‏لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ‏)‏ أي تَطُول بك الحياةُ‏.‏ أشار فيه إلى بقائِهِ وحياتِهِ وانتفاعِ المؤمنين وَتَضَرُّرِ الأعداء، فوقَع كما أَخْبر فكان فَاتْحًا‏.‏ فإن قلت‏:‏ إنَّ التخلُّفَ في الأول كان بمعنى التخلف عن الذَّهَاب معه دون الحياةِ‏.‏ وههنا بمعنى الحياةِ، فهو فَكُّ في النِّظَام‏.‏ قلتُ‏:‏‏:‏ وهذا البحثُ يناسِبُ مرتبةَ القرآن، أمَّا الحديثُ فلا يُشددُ فيه بذلك‏.‏

1295- قوله‏:‏ ‏(‏اللهم أَمْضِ لأصحابي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وفيه دليلٌ على أن الوفاةَ في غير دار الهجرة كانت تُعَد نَقْصَا ولو كان بِأَمْرٍ سماوي‏.‏ قلتُ‏:‏ ولكنَّ هذا النقصَ يكون تكوينيًا‏.‏ أعني به أن شاكلةَ حَشْرِ أهل المدينة لَعلَهَا تغايرُ شاكلَةَ حَشْرِ أهل مكة، فالله تعالى يَدْري ما الفرق بين الْحَشْرَين‏.‏ وبالجملةِ مَنْ مات بمكَةَ لا يُحْشَر كَحَشْر أهلِ المدينة، وهذا الذي عنيت بالنقصِ التكويني‏.‏

1295- قوله‏:‏ ‏(‏يَرْثي‏)‏ أي يرق له‏.‏ وفي اللغة فَرْق بين قولِهِ رَثَاهُ ورَثَى لَهُ‏.‏

باب‏:‏ ما يُنْهى مِنَ الحَلقِ عِنْدَ المُصِيبَة

و «من» ههنا تعبيضةٌ أيضًا‏.‏ فلو احتاج عند المصيبةِ إلى الحَلْق جاز، والحلقُ عند المصيبةِ رائجٌ في كُفَّار أهل الهند إلى يومنا هذا‏.‏

باب‏:‏ لَيسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُود

1297- قوله‏:‏ ‏(‏ودعا بِدَعْوَى الجَاهِلِيةِ‏)‏ أي يقولُ بِقَوْلٍ عُرِفَ في أهل الجاهلية في مِثْل هذا الموضع‏.‏

باب‏:‏ ما يُنْهى مِنَ الوَيلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَة

ولا ريبَ في جوازِ الويل في بعض المواضع، فإنَّه قد وَقَع في التنزيل أيضًا‏.‏ نعم يمنع عنه عند بَعْضَ الاحتفافات فاستقام التبعيضُ، واعتبرَ المصنِّفُ رحمه الله تعالى في مِثْلَ هذه التراجم أولا ما ينهى عامًّا‏.‏ ثم بَيَّن ما كان منه ممنوعًا بمن التبعيضية‏.‏ وهو الذي أجابه الجاربردى في الفَرْق بين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 23‏)‏، وقوله‏:‏ فأتوا من مثله بسورة، فإن المطلوبَ فيه هو الإتيان بهذا القدر من أوَّل الأَمْر، لا تخصيص بعد تعميم‏.‏ وهذه فروق يعتبرُهَا البليغُ ويشمئز منها البليدُ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْن

يعني يجوزُ للمُصَابِ أن يجلِسَ في ناحيةِ البيتِ ولا يُعَدّ ذلك مِنْ الجاهلية‏.‏

1299- قوله‏:‏ ‏(‏لما جَاءَ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قَتْلُ ابنِ حارِثَةَ‏)‏‏.‏‏.‏ إلخ أي لما جاء القاصِدُ بِنْعِيْهِ، فهذا محاورة‏.‏

1299- قوله‏:‏ ‏(‏فَاحْثُ في أَفُوَاهِهِنَّ التُّرَابَ‏)‏ لم يُرِد به الحقيقة، ولكنَّها كلمةٌ جرت في العُرْف عند الكراهةِ لشيءٍ‏.‏ وقد مر معنا التنبيه على أنه يُستفاد من هذا الحديث إباحةُ بعضِ مراتبِ النِّياحة مع بقاء الكراهة، وهي التي أشار إليها بقوله‏:‏ «فاحْثُ في أفواههن»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ فذقه ولا تعجل ولله درِ عائشة رضي الله عنها أنها قد فهمت حقيقة الكلام حيث قالت‏:‏ فقلت‏:‏- أي في نفسي- أَرْغَم اللَّهُ أَنْفَك لم تفعل ما أَمرَك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم ولم تترك رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم من العناءِ، أي لو كنتَ قعدت في بيتك ولم تُواجِه رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم بما يكرُهُه كان أحسنَ لك، فلا أَنَّك تفعلُ ما يَطِيب بنفسه، ولا تمتنِعُ عما يكرهُه‏.‏ فهذا كله يأتي في محل الكراهةِ مع إمكانِ الإِغماض عنها‏.‏ وهذا الذي أرادَتْ مِنْ قولها‏:‏ «ولم تترك رسول الله صلى الله عليه وسلّم ‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ أي إذا كان بكاؤهُنَّ في حدِّ الإغماض، فلك أَنْ لا تُخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلّم فتدعهن وبكاءهن‏.‏ ولكنَّك لا تَقْدِر أن تفعلَ ما أُمِرت به، ولا تَرْجِعُ عن أخبَارِه أيضًا‏.‏ ولو كان بكاؤهن حَرامًا ونياحةً ممنوعةً لما جاء مِثْل هذا التعبيرِ‏.‏ فافهمه وفكِّر فيه ساعةً تجد المعنى ما قلنا إن شاء اللَّهُ تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ إنَّ المرادَ منه حقيقتُهُ كما كان عمر رضي الله عنه يفعله‏.‏ وهو عند البخاري رَحِمه الله تعالى في باب البكاء عند المريض‏.‏

ثم إنَّ مسألةَ العلماءِ في مَنْع الصلاة على غيرِ الأنبياء إنَّما هي عِنْد ذِكْر اسمِهم عُرْفًا وشعارًا‏.‏ والأحاديثُ إنَّما جاءت في حاجاتٍ خاصَّة‏.‏ وفي هذه الصِّيغة فيها نِكات خاصَّة‏:‏ ففي الأموات أنهم مِنْ أهل الصلاة، أي أداء صلاةِ الجنازة عليهم، فإذا فاتت تُدُورِكت بالدعاء بِلَفْظِ الصلاة، مع أنه في أكثر الألفاظِ من لَفْظ الراوي في الحديث الفعلي، ومِنْ فِعْل الملائكة فلا يُقَاس عليه‏.‏ وفي مُنْتَظِر الصلاةِ أنه في الصلاةِ حُكْمَا، والجزاء من جنس العمل‏.‏ راجع «العمدة» ‏(‏2701‏)‏‏.‏

وفي الزكاةِ أنها قرينةُ الصلاةِ فإذا أَتَى بها أُثِيب بالصلاة، وهي له زكاةٌ ورحمةٌ‏.‏ وكذا في الصوم، مع أنَّ المُفْطِر للصَّائم في حُكْمه، وراجع المناسبة بينها وبين العيادة‏.‏ وفي قصة امرأة جابر التي حكاها الحافظ كانت اقترحت بهذا اللفظ فدعا لها به‏.‏ وهكذا في الصفِّ الأول صَلَّت عليهم الملائكةُ، فَصَلَّى عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلّم كما عند «ابن أبي شيبة» ‏(‏ص253‏)‏‏.‏ وكذا في آيةٍ تلاها عُمرُ عند البخاري في الصَّبْر عند الصدمةِ الأُولى‏.‏ وراجع ما في «النهاية» عن الخطَّابي في مادة الصلاة والتي ظهر من روايات «الدر المنثور» تحت‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ‏}‏ ‏(‏الأحزاب‏:‏ 56‏)‏ أنَّ الصلاةَ في كُلِّها بمعنى «نمار»، ثُمَّ هي أقسامٌ، وعليه ما في «الكنز» وعليه ما في «الزرُّقاني على المواهب» من صلاةِ الجنازةِ عليه صلى الله عليه وسلّم عَنْ عَليّ‏.‏ «والقول البديع» ‏(‏ص 8‏)‏ وراجع ما في‏:‏ «نُزُل الأبرار» ‏(‏ص 123‏)‏ عن الحافظ بن القيم‏.‏

وقال في «عروس الأفراح» ‏(‏ص139‏)‏‏:‏ وقال سيبويه في باب ما ينتصِبُ على المدح‏:‏ إنَّ الحمدَ لا يُطْلَقُ تعظيمًا لغير اللَّهِ تعالى‏.‏ وذكر في باب آخر‏:‏ أنه يُقال‏:‏ حمدتُهُ إذا جزيتُهُ على حَقِّه‏.‏ وهذا الكلام هو التحقيق اه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسبِّح له مَنْ في السمواتِ والأَرْضِ كُلُّ قد عَلِم صلاتَه وتسبِيْحَه‏}‏ ‏(‏الآية‏:‏ 41‏)‏ اه‏.‏ من سورة النور وكلام ابن القيم في «القول البديع» ‏(‏ص43‏)‏ هذا وقد صار شِعارًا للأنبياء فَيُترك لِغَيْرِهم مُطلقًا‏.‏ ويحتمل أن يكونَ لَفْظُ الصلاةِ لا يخلو عن معنى الثناء والشكر بمعنى «درود» إن لم يكن في كلِّها بمعنى نماز‏.‏ وما ذكرناه من وَجْه الترك هو في «القول البديع» ‏(‏ص 42‏)‏ عن البيهقي‏.‏

ولما كان فيه معنى الثناء والتعظيم لا مطلقُ الدعاء اقتصر على مَوْرد النَّص ومَنْ يستحِقُّه به‏.‏ وهو في «القول البديع» ‏(‏41‏)‏ عن الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى وهذه اللعنة والعياذُ بالله العليِّ العظيم وهذا أَوْجَهُ وراجغ سياق «مسلم» ‏(‏2129‏)‏‏.‏

واعلم أنَّ الملائكةَ تساعِدُ بني آدم فيما يحتاجُ إليها من جوابٍ، أو تأمين على دُعائه، أو إذا احتاجوا إلى ثالثٍ، وهو في كتاب الأيمان ‏(‏ص106‏)‏ وتُسلِّم على بني آدم إذا لَقِيتهم، فإن رَدُّوا عليك رَدَّت عليك وعليهم الملائكة‏.‏ وراجع «الروض»‏.‏ وعند الترمذي ‏(‏193‏)‏‏:‏ لَيُصلُّون على مُعَلِّم الناسِ الخيرَ‏.‏ وذلك لأنَّ صلاتَهم هي كذلك‏.‏ وفي «العلو» للذهبي ‏(‏120‏)‏ وهو في «الحصن» عند ابن ماجه لا الصحيح‏:‏ «أكل طعامَكُم الأبرارُ، وأفطرَ عندكم الصائمون، وصلَّت عليكم الملائكةُ وذَكَرَكُمْ اللَّهُ فِيْمَنْ عنده»‏.‏ ولم أجد اللفظ الأخير في ذوق «ونزل الأبرار» إلا في لفظ «مسلم»‏:‏ «لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يذكرون اللَّهَ إلاّ حَفَّتْهُمْ الملائكة»‏.‏ اه‏.‏

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ المُصِيبَة

أي وبَثَّه إلى اللَّهِ كما في الآية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الجَزَع‏:‏ القَوْلُ السَّيِّيءُ‏)‏ أراد به تحديدَ الجَزَع الممنوع، ولكنه أين يحصل، ولا ينفع فيه غيرُ الوجدانِ الصحيح‏.‏ فإنه هو الفَارِقُ بين جَزَعٍ وَجَزَع‏.‏

113- قوله‏:‏ ‏(‏أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بما كان منهما‏)‏ أي سَخِطَ أبو طلحةَ على امرأتِهِ حيث لم تخبرْهُ بوفاةِ ابنه حتى جامعها في الليل‏.‏ فقصَّ القِصَّة على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فدعا النبي صلى الله عليه وسلّم لهما بما صَبَرت ولم تَجْزَع‏.‏

باب‏:‏ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى

وقد مَرَّ في حديث‏:‏ «الأعالُ بالنياتِ» عن الشافعيّ رحمه الله تعالى أن المصائب مُكفِّراتٌ مطلقًا، صبر عليها أو لم يَصْبِر، لكونها تعذيبًا، ولا فرق فيه بين الصَّبر وعَدَمِهِ، نعم يُحْرَمُ من تضاعُفِ الأُجور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أولئِكَ عليهم صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهم ورحمةٌ‏)‏ وفيه دليلٌ على جوازِ لَفْظِ الصلاةِ على غير الأنبياء عليهم السلام أيضًا، ونُقِل عن الفقهاءِ الأربعةِ قَصْرُها على الأنبياءِ عليهم السلام إلا بوساطَتِهم‏.‏ أقول‏:‏ وهو الذي ينبغي عليه العملُ، وإلا فيتساهلُ الناسُ فيه فيستعملونَها في كلِّ مَوْضع‏.‏ نعم لا بد للتَّفَصِّي في الآية من حيلة‏.‏ وما قيل إنَّ الصلاةَ فيها بمعنى الرحمةِ فليس بشيءٍ، فإنَّ الكلامَ في لَفْظ الصلاةِ بأيِّ معنىً كان‏.‏/

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ»

باب‏:‏ البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيض

1303- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّا بِفِرَاقِكَ يا إبراهيمُ لمحزُنونَ‏)‏ اعلم أنَّ حَرْفَ النِّدَاء في لغةِ العربِ ليس للخِطَاب كما فهم، ولذا سَمَّى علماء المعاني قولهم‏:‏ «أيها العصابة» اختصاصًا‏.‏ وفَصَّل ابنُ الحاجب أيضًا بين حَرْف النَّدْب وحَرْف النِّدَاء إن جَعَلَهُمَا صاحبُ «المُفصَّل» واحدًا‏.‏ وقد ثَبَت عن الصحابةِ رضي الله عنهم قولهم‏:‏ «السلامُ عليك أيها النبيُّ» بلا نكير‏.‏ ومن هذا الباب قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم «يا إبراهيم» لابنهِ الميِّت، فلا بأس به، ويقول حسان رضي الله عنه في قصيدته‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏ظِئْر‏)‏ يقال لِزَوْج المُرْضِعة أيضًا‏.‏ والمشهور أن عُمرَه إذ ذاك كان ثمانيةَ عشرةَ شَهْرَا‏.‏ وقيل‏:‏ سنتين‏.‏ فلو صحَّ لدلَّ على مذهب أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى في الرَّضاعةِ، فإنَّ مدتَها عنده سنتان وستةِ أشهر، فتكون المرضعة له لأَجْل تكميلِ مدةِ رِضاعَتِهِ‏.‏

باب‏:‏ ما يُنْهى عَنِ النَّوْحِ وَالبُكاءِ، وَالزَّجْرِ عَنْ ذلِك

1306- قوله‏:‏ ‏(‏فما وَفَتْ مِنَّا امرأةٌ‏)‏ أي ما وَفَت حَقَّ الوفاء، وإلا فالتعميمُ لا يستقيمُ في حَقِّ الصحابياتِ رضي الله عَنْهن‏.‏

باب‏:‏ القِيَامِ للجَنَازَة

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم يقومُ لها في أول أَمْرِهِ، ثُمَّ تَرَك واختلف الصحابةُ رضي الله عنهم في علّة قِيَامِهِ‏.‏ فقيل‏:‏ إنَّها كانت جنازَةَ يهودي، فَكَرِه أن تَعْلُو رأسَه‏.‏ وقيل كان تعظِيمًا للملائكةِ‏.‏ وقيل‏:‏ تعظيمًا لأَمْر المَوْت كما يَظْهَر مِنْ لَفْظِهِ‏:‏ «أليست نَفْسَا»‏.‏ وادَّعَى الطحاوي النَّسْخ بما عند أبي داود، وفيه‏:‏ «أنَّ حَبْرًا من اليهودِ جاءه وقال‏:‏ ونَحْن نقومُ لها أيضًا‏.‏ فَتَرَك النبيُّ صلى الله عليه وسلّم القيامَ لَهَا»‏.‏ وأقل‏:‏ إنَّه كانَ ثُمَّ تُرك، وأكفَّ اللِّسَانَ عن لَفْظِ النَّسْخ‏.‏ وَتَرْكُهُ هو المَرْوِيّ عن محمدٍ رَحِمَه الله تعالى‏.‏ ثُمَّ إنَّ الظاهِرَ أن قيامَه كان حُرمةً للميت‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

47- بابٌ مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قامَ لِلجَنَازَةِ

باب‏:‏ مَنْ تَبِعَ جنَازَةً فَلا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيَام

باب‏:‏ مَنْ قامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِي

وقد عَلِمت أن الأَمْر بالقيام كان في زمنٍ، فلمَّا تُرِك القيامُ تُرك الأَمْر به أيضًا‏.‏ ونُقِل عن بعضِ الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يَأَمُرُون فيما بعد أيضًا‏.‏ ولعلَّه لم يَبْلُغْهُمْ خَبَرُ التَّرْكِ فَجَرُوا على أَمْرِهِم الأَوَّلِ‏.‏

1309- قوله‏:‏ ‏(‏لقد عَلِم هذا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، وكان قد نَسِي ثُم تَذَكَّر‏.‏ ثُم إنَّ القِيام للميتِ يدلُّ على أنَّ اتِّباعَ الجنازةِ لأَجْل التعظيمِ لا للاستشفاع‏.‏ فإِنْ كان كذلك فالمشيّ خَلْفَها أَفْضلٌ، وإنْ كان للاستِشْفاع فأمامَها، لكونِه مَحلَّ الشافِع‏.‏

50- بابُ حَمْل الرِّجالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ

وما ذكرهُ صاحِبُ «الكنز» من الترتيب، فهو على ما قيل خطابُ الإِمام لأبي يوسف رحمهما الله تعالى‏.‏ ثُم هذا الترتيب لمن أرادَ الحَمْل من المتبعين، لا لمن حَمَلوه أولا، بقي الأَرْبع الأُوَل لا حاجة إلى دورهم، نعم لو تناول كل في الحمل فعليهم الترتيب المذكور‏.‏

1314- قوله‏:‏ ‏(‏فَإِن كانت صالحةً قالت‏:‏ قَدِّمُوني‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وهذا كلامه على السرير عند الغُسْل‏.‏

51- بابُ السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ

أي مِنْ غير تزعزع‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ المَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ‏:‏ قَدِّمُونِي

واعلم أنَّ مسألة كلام المَيِّت وسماعِهَ واحدةٌ وأنكرها حنفيةُ العَصْر‏.‏ وفي رسالةٍ فير مطبوعة‏.‏ لعليِّ القاري‏:‏ أنَّ أحدًا من أئمتنا لم يَذْهَب إلى إنكارِها، وإنما استنبطوها مِن مسألةٍ في باب الاييمان، وهي‏:‏ حلف رجلٌ أن لا يكلِّم فلانًا فكلَّمه بَعْدَما دُفِن لا يَحنَث، قال القاري‏:‏ ولا دليلَ فيها على ما قالوا، فإِنَّ مَبْنَى الأَيْمان على العُرْف وهم لا يُسمُّونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابنُ الهمام رحمه الله تعالى أيضًا في «الفتح»، ثم أَوْرَد على نَفْسه‏:‏ أنَّ السَّماع إذا لم يَثْبت فما معنى السَّلام على القبر‏؟‏ وأجاب عنه‏:‏ أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط، ولا دليلَ فيه على العُموم‏.‏ ثُم عاد قائلا‏:‏ أنه ثَبَت منهم سَماعُ قَرْع النِّعال أيضًا‏:‏ فأجابَ عنه بِمثْله‏.‏

أقول‏:‏ والأحاديثُ في سماع الأمواتِ قد بلغت مَبْلغَ التواتر‏.‏ وفي حديثٍ صحَّحه أبو عمرو‏:‏ أن أحدًا إذا سَّلَّم على الميتِ فإِنه يَرُدُّ عليه، ويعرِفُه إن كان يَعْرِفُه في الدَّنيا- بالمعنى- وأخرجه ابن كثير أيضًا وتردَّد فيه‏.‏ فالإِنكار في غير مَحَلِّه، ولا سيما إذا لم يُنقل عن أحدٍ من أئمتنا رحمهم الله تعالى، فلا بد من التزام السماع في الجملة، وأما الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى فجعلَ الأَصْل هو النَّفّي، وكلَّ مَوْضِع ثبت فيه السَّماعُ جَعَله مستثنًى ومقتصِرًا على المَوْرد‏.‏

قلت‏:‏ إذن ما القائدة في عُنوان النَّفي‏؟‏ وما الفَرحق بين نفي السَّماع، ثُم الاستثناء في مواضِعَ كثيرةٍ، وادعاء التَّخصِيص، وبين إثبات السَّماع في الجملة مَعَ الإِقرار بأنا لا ندري ضوابِطَ أسماعِهم، فإِنَّ الأحياءَ إذا لم يَسْمعُوا في بَعْضِ الصُّوَرِ فمن ادَّعى الطَّرْد في الأموات، ولذا قلتُ بالسماع في الجملة، بقي القرآنُ فأَمْرُه صَعْبُ، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى‏}‏ ‏(‏النمل‏:‏ 8‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏{‏وما أَنْتَ بِمُسمِعَ مَنْ القُبورِ‏}‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 22‏)‏ ، وهو بظاهِرِه يدلُّ على النَّفْي مُطلقًا، فقبل بالفرق بين السَّماع، والإِسماع، والمَنْفي هو الثاني دون الأَول، والمطلوبُ هو الأوَّل دونَ الثاني، وأجاب عنه السّيوطي‏:‏

سماعُ مَوْتى كلام الخُلْقِ قَاطبةً *** قد صَحَّ فيها لنا الآثارُ بالكُتُبِ

وآيةُ النفي معناها سَمَاعُ هدىً *** لا يَسْمَعُون ولا يُصْغون للأَدَبِ

قلت‏:‏ نَزَل الشيخُ رحمه الله تعالى فيها على الغَرض‏.‏ وحاصل الآية على طَوْره‏:‏ أنَّ هؤلاء الكفارَ كالمَوْتَى، فلا تَنْفع هدايتُك فيهم، لأن نَفْعها إنَّما كان في حياتِهم وقد مَضَى وَقْتُها، كذلك، هؤلاء وإنْ كانوا أحياء إلاّ أنَّ هدايتَك غيرُ نافعةً لهم، لكونِهم مِثْلَ الأمواتِ في عدم الانتفاع، فليس الغرضُ منه نفيَ السماع بل نفي الانتِفاع‏.‏

قلت‏:‏ عدمُ السَّماع والسَّمْع والاستِماعِ كُلّها بمعنى عَدَم، العمل، لأنَّ السَّمْع يكونُ للعمل، فإِذا لم يَعْمَل به فكأنَّه لم يَسْمَعْه، تَقولُ، قلتُ له مرارًا أن لا يتركَ الصلاةَ، لكنْه لا يَسْمَعُ كلامي، أي لا يعمل به، يُقال في الفارسية نشنود، يعني عمل نمى كند، فلو قال الشيخ رحمه الله تعالى‏:‏ إنَّ مَن في القبور لا يعملُون لدُخعل الكلامُ في اللغة، ولم يبق تأويلا، بل الأحسنُ أن يُقال‏:‏ مانتى نهين، فإِن قلت‏.‏ إِنَّ الأمواتَ إذا ثَبَت لهم السَّماعُ، فعل لهم الانتفاعَ به أيضًا أو مجردُ سماعِ الصوتِ فقط‏.‏

قلت‏:‏ الصوت، مَنْ مات على الخيرِ فإِنَّه ينتفعُ به أيضًا‏.‏ وأما مَنح مات على الشرِّ والعياذ بالله فأَنى أَنْ ينتفِعَ إذا لم يَنْتفِعَ إذا لم يَنْتَفِع به فِي الدنيا، وليس له إلا سماعُ الصَّوتِ، والوزجه الثاني‏:‏ في التَّفَضِّي عن الآية أنَّ هذا السماعَ الذي نحن بصددِ إثباتِه مِن عالَم البَرْزَخ، أخبرنا به المُخْبر الصادقخ فآمَنَّا به، أما في عالِمنَا فهو معدومٌ ولا يَلْزمُ للقرآنِ أن يعبر بما يأتي على العالمين، فجاز أن يكونَ نَفْيُ السماع بحسب عالَمنا، فإِنَّ التشبيهاتِ تكونُ للتوضيح فقط، ولَمَّا كان مَنْ القبور كالعدَم في عالَمنا، ليس لهم سَماعٌ، ولا عِلْمٌ، ولا شيءٌ، جاز له أن ينفيَ عنهم السَّماعَ أيضًا، والقولُ‏:‏ بأنَّ الأمواتَ إذا ثبت لهم السَّماعَ عند القرآنِ لم يستقم له التشبيهُ بالأموات جَهْلٌ وسَفَهُ، فَإِنَّ التشبيهِهَ إنماوَرَد بِحَسَب عِلْمنا وعالمنا وإنْ ثبت السماعُ عنده وإذ كانوا معدومين في عالمنا لطف التشبيه لا محالة، أما قولُه صلَّى اللهاُ عليه وسلم ‏:‏ «نَم كَنَوْمَةِ العَرُوس»، فقد مرَّ الكلام عليه فلا نعيده‏.‏

53- باب مَنْ صَفَّ صَفَّينِ أَوْ ثَلاثَةً عَلَى الجِنَازَةِ خَلفَ الإِمامِ

54- باب الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ

واستَحبَّ فقهاؤنا أن يكون2 الناسُ ثلاثَ صفوفٍ وإن قَلُّوا، فإِنْ كانوا سبعةْ يَصُفُّ الواحِدُ في الثالث وإن كُره ذلك في المكتوبةِ‏.‏

باب‏:‏ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجالِ عَلَى الجَنَائِز

قالوا في المكتوبة‏:‏ إنَّ الصبيَّ إن كان واحدًا يَقُومُ معهم ويجوزُ في الجنازةِ مُطْلقًا، لأنَّ الترتيبَ فيها غيرُ مُرَاعَى‏.‏

1321- قوله‏:‏ ‏(‏أَفَلا آذَنْتُمُونِي، قالوا‏:‏ دَفَنَّاه في ظُلْمةِ اللَّيل‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، قال أحمدُ رَحِمه الله تعالى‏:‏ ثَبَت سنةُ أحاديثَ في الصلاةِ على القَبْر‏.‏ ثم هل هي وقائعٌ متعددةٌ أم واقعة واحدة‏؟‏ فلينظر فيه، ومذهبُه الصلاةَ على القبرِ تجوزُ إلى شَهْرٍ لِمَنْ كان له يُصلِّي عليه من أَهْلها وإن كان صلَّى عليه مرةً، وهو مذهبُ الشافعي، وقال أبو حنيفَة ومالكٌ رحمهما الله تعالى‏:‏ لا يُصَلَّى على القَبْر إنْ صلَّى عليه مرةً، وإلا يُصَلَّى عليه ما لم يَتَفَسَّخ‏.‏

أما الصلاةُ على الغائبِ فلم تَثْبُت إلا واقعةٌ النَّجاشي‏.‏ أما واقعة ابن معاوية الليثي فاختلفوا فيها، والظاهر أنه مُنْكر‏.‏ فإذا لم تَثْبُت تلك الصلاةُ في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم مع أنَّ كثيرًا مِنْ المسلمينَ ماتوا في دراِ غربةٍ في عهدِه صلى الله عليه وسلّم نَاسَبَ أن تُخْتَمَ بِعَهْدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ولا سيما إذا لم يَجْرِ عليها توارثُ الأُمة أيضًا‏.‏ بخلافِ الصلاةِ على القَبْر فإن بعضَهم عَمِلوا بها فيما بعد أيضًا‏.‏ فلو شئت أدعيت الخُصوصية وتمسَّكْت بما عند مسلم‏.‏ «أنَّ هذه القبورَ مملوءةٌ ظُلْمَةً على أَهْلِهَا، وإنَّ اللَّهَ يُنوِّرُهَا لهم بِصَلاتِي عليهم»- بالمعنى ‏.‏ وهذه الخاصِّية لم تكن إلا لصلاتِهِ صلى الله عليه وسلّم فلا تَقاس عليها صلواتُ الآخَرِين مع أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان نهاهم أن يدفنوه بدونه فإذا دفنوه ولم يؤذنوه صلى عليه ثانيًا‏.‏ وهذا معقولٌ فإنَّه لم يكن أن يصلُّوا عليه مع كونِ النبي صلى الله عليه وسلّم فيهم ولا سيما إذا كان نهاهم أيضًا‏.‏ وقد شَهِدَ التوارثُ إلى يومنا هذا أنه لا يُصلِّي على الجنازةِ إلا الإمامُ وفي «الوفاء» للسُّمْهُودي‏:‏ أن الأئمة كانوا يُنَصَبون بأَمْر النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وأَظُنُّ أنه صلى الله عليه وسلّم لم يكن يَخْرج عن المدينةِ إلا بعد ما يَنْصِبُ لهم إمامًا يصلِّي بهم وفي «الطبقات» لابن سعد‏:‏ «أنه نَصَبَ ابنَ أُمِّ مكتوم أمامَ المدينةِ مرةً‏.‏ فكان يؤذِّنُ ويؤمُّ بهم»‏.‏ ولا أرى أذانَه بالليلِ إلا في تلك الأيامِ‏.‏ وقد مرَّ البحثُ في أذانه‏:‏ أنه كان دائمًا أوفي زمنٍ معيَّنٍ‏؟‏ والظاهر هو الثاني‏.‏ فإن بيتَه كان بعيدًا، وقد كان استَرْخَص النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أيضًا في عدم حضورِ الجماعة‏.‏ فقال له‏:‏ هل تسمع التأذين‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فلمْ يُرَخِّص له‏.‏ فَدلَّ على أَنَّ المؤذِّنَ كان غيرَه‏.‏

وبالجملةِ قد يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ أنا لو سلَّمنا أنَّ أذانَه كان بالمجسد النبويِّ، وكان قَبْل الفَجْر فلعلَّه كان في زمنِ إمامَتِه بالمدينةِ‏.‏ فإذا دريتَ أن نَصْبَ الأئمةِ كان داخلا في ولايةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم عَلِمْت أنه لم يكن لأَحَدٍ أن يُصلِّي بها إلا بعد نَصْبه من جهةٍ، فإذا صلَّوا عليها فقد غَلِطُوا‏.‏ ولذا أعادها النبيُّ صلى الله عليه وسلّم على قَبْرِهَا، لأنه كان وَليًّا‏.‏ وفي عامة كُتُب الحنفيةِ‏:‏ أنَّ الصلاة على القبر إنَّما تَصِحُ للوَلِيِّ فقط إذا لم يكن صلّى عليه وفي «المبسوط»جوازُ الإعادةِ مطلقًا لغير الولي أيضًا إذا أعادها الولي‏.‏

قلتُ‏:‏ وهذا أَيْسَرُ في الأحاديثِ‏.‏ فظهر منه أنَّ إعادةَ صلاتِهِ صلى الله عليه وسلّم كانت من باب الولايةِ، لا مِنْ بابِ الصلاةِ على القبر ثُمَّ‏.‏ أَمْعِن النظرَ في قوله‏:‏ «ولا يَجْلِسِ الرَّجُلُ على تَكْرِمَتِهِ في بيته، ولا يَؤُمَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ إلا بإِذْنِه»‏.‏ يفيدك أنَّ هؤلاءِ الذين صلُّوا عليه بدونِ إذنهم من النبيِّ صلى الله عليه وسلّم قد جاؤا بأَمْرٍ عظيم‏.‏ فإنَّ الجلوسَ على التَّكْرِمة في البيتِ والصلاة بدون الإذن في ولايته من باب واحدةٍ على أنهم لم يُوْقِظُوه صلى الله عليه وسلّم لِخِفَّةِ أمره في أذهانِهم‏.‏ فقويَتْ داعيةُ الصلاةِ لذلك أيضًا‏.‏ فإنَّه رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَر لو أَقْسَمَ على الله لأبرَّه‏.‏ فإذا احتفت هذه الصلاةُ بِمثل هذهِ القرائن قَصَرْنَاهَا على مَوْردها، ولم نجعلها سخنةً قائمةً وشريعةً مستمِرَّةً‏.‏

أما الصلاةُ على الغائب ففيه على ما مرَّ أنه لم يكن بالحبشةِ أحدٌ يُصلِّي عليه فصلى عليه لذلك‏.‏ مع ما عند ابنِ حِبان في «صحيحه» عن عِمران بن حُصَين أن الصحابةَ رضي اللَّهُ تعالى عنه كانوا لا يَظُنُّون إلا أَنَّ جنازَتَه بين يديه، فقد كانت جنازتُهُ كُشِفت له صلى الله عليه وسلّم وحينئذٍ لم تبق من باب الصلاةِ على الغائب، وبالجملةِ لا تُترك سنةٌ فاشيةٌ مستمرةٌ لأَجْل الوقائعِ الجزئيةِ التي لم تَنْكَشِف وجوهُها ولم تُدْرَ أسبابها‏.‏

باب‏:‏ سُنَّةِ الصَّلاةِ عَلَى الجَنَائِز

وحاصل هذه الترجمةِ أنَّ صلاةَ الجنازةِ تشتركُ مع سائر الصلوات في الشرائط كما هو مذهب الجمهور‏.‏ واستدل عليها بقطعاتٍ وَرَدَ فيها إطلاقُ الصلاةِ عليها‏.‏ أما سجدةُ التلاوةِ فلم يَنْكشف الحالُ فيها لاضطراب النُّسَخ‏.‏ وقد علمته مرارًا مع بيانِ وَجْه اختلاف السَّلف في هاتين وهو خَفاءُ لَفْظ الصلاة فيهما‏.‏ ومَنْ فَرَّق بين صلاةِ الجنازة وسجدةِ التلاوة فلعلَّ وَجْهه أن لصلاةِ الجنازة تحريمًا وتحليلا فكانت صلاةً، بخلاف سجدةِ التلاوة فإِنَّها لا تحريمَ لها ولا تحليلَ إلا ما رُوي عن مالك رحمه الله تعالى أنه يُكبَّر لها‏.‏ وبالجملة شاكلةُ السجدةِ صارت كالأَذكار وقد مرَّ أنه لا تُشترط لها الطهارةُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإذا أَحْدَثَ يَوْمَ العيدِ أو عِنْدَ الجنازةِ يَطْلُبُ الماءَ ولا يَتَيَمَّمُ‏)‏ خالف فيه الحنفيةُ، فإِنه يصِحُّ لها التيممُ عندنا، بالتفصيل المذكور في الكتب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإذا انتَهَى إلى الجنازة‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ هكذا عندنا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال ابن المسيَّب‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ يعني به أن لا قَصْر في صلاة الجنازة وهو المذهب عندنا‏.‏ وقال أَنَس رضي الله عنه‏:‏ التكبيرةُ الواحدةُ استفتاحُ الصلاة‏.‏ وهذا نَظَرٌ في معنى التكبير‏.‏ وحاصل هذه الترجمة أن صلاةَ الجنازةِ لما كان لها تحريمٌ وتحليلٌ، ومراعاةُ الأوقاتِ والصفوف والإِمام ورَفْع اليدين، والنهي عن التَّكَلم مع إطلاقِ لَفْظ الصلاةِ عليها مِن لسان صاحبِ النُّبوةِ، ووُرُودِ القرآن به، ظهر أنها يُشترط لها ما يشترطُ لسائر الصلوات من الطهارة وغيرِها‏.‏ ثم إنَّ رَفْع اليدَيْن فيها إنْ كان مع كلِّ تكبيرٍ كما هو مَرْوي عن مشايخ بَلْخ، فهو مُستقىً من الصلاة المطلقة وإِلا فلا دليلَ عليه من لَفْظ الحديث‏.‏

باب‏:‏ فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائز

باب‏:‏ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَن

باب‏:‏ صَلاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائز

وقال زيدُ بن ثابت‏:‏ إذا صليتَ فقد قَضَيت الَّذي عليك‏.‏ يعني أن الاتِّباع إلى المَقْبرة ليس من الواجباتِ، فإِنْ فَعَل فله في ذلك أَجْر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال حُمَيْد بنُ هِلال‏:‏ ما عَلِمنا على الجنازةِ إِذْنًا‏)‏ وهو ما في «الهداية»‏:‏ أن الإِذْن لا يجبُ على الوَلي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قيراط بخمس شعيرات‏)‏ رابعة عشر من درهم‏.‏ وقِيراطُ الشافعيةِ أقلُّ منه‏.‏ وأمّا قيراطُ الآخِرَةِ فكالجبل‏.‏

باب‏:‏ الصَّلاةِ عَلَى الجَنَائزِ بِالمُصَلَّى وَالمسْجِد

ولا يُصلَّى على الجنازةِ في المسجد عندنا، وعند مالك رحمه الله تعالى‏.‏ والأفضلُ عند الشافعي رحمه الله تعالى أن يصلَّى خارجَ المسجد، وجاز في المسجد أيضًا‏.‏ ثم قال العلامة القاسم‏:‏ إِنَّها مكروهةٌ تحريمًا‏.‏ واختار الشيخ ابن الهُمَام رحمه اللَّهُ تعالى التنزيه‏.‏

قلت‏:‏ بل هي إساءةٌ على ما سماها صَدْرُ الإسلام أبو اليسر، وهو مَرْتَبةٌ بين التحريمِ والتنزيه، وكذلك لا يناسِبُ وَضْع الجنازة في المسجد، ويُعلم من صَنيع البخاري رحمه الله تعالى أنه متردِّدُ في ذلك‏.‏ ولنا ما عند أبي داود‏:‏ «مَنْ صَلَّى على جنازةٍ فلا شيءَ له»، وعند ابن ماجه مَنْ صلَّى على جنازةٍ في المسجدِ فليس له شيءٌ»‏.‏ قال النووي رحمه الله تعالى‏.‏ وفي النُّسخة الصحيحة‏:‏ «فلا شيء عليه»‏.‏

وصحَّح الزَّيْلَعي الأول‏.‏ وقال‏:‏ إنَّ في النُّسخ الصحيحة «فلا شيءَ له»‏.‏

قلت‏:‏ ويؤيدُ لفْظَ ابن ماجه‏:‏ «فليس له شيء» وهو لا يحتملُ التصحيفَ ليُقَال إنه تقريرٌ عليه‏.‏ واعتمد على الزيلعي أزيد من النووي‏.‏ وكذا صحَّحه الخطيب البغدادي، وهو صاحب النسخة وهو مذهب ابن أبي ذئب، وهو راوي الحديث كما ذكره النووي‏.‏ إلا أنَّ في إسناده مَوْلى التَوْأَمةِ وفيه مقال‏.‏ لأنه كان اختلط بآخِرِه إِلا أَنَّ العلماءَ صرَّحوا بأنَ سماع ابن أبي ذئب عنه قبل الاختلاط‏.‏ وعلى هذا فالإِسنادُ حَسَن، ولو قلت‏:‏ صحيحٌ، فأيضًا سائغ‏.‏ وعند ابن أبي شيبة أيضًا‏:‏ «فلا صلاةَ له»‏.‏

وقد استدلَّ محمد رحمه الله تعالى في «مُوطئه» أن مُصَلَّى الجنائز في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم كان بِجَنْب المسجدِ‏.‏ فهذا دليلٌ قويٌّ على أن صلاةَ الجنازةِ ينبغي أن تكون خارجَ المسجد، حتى أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لما بلغه نَعْيُ النَّجاشيّ خَرَج إلى خارج المسجد ولم يصلِّ فيه‏.‏ ولم يَثْبُت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنه صلَّى في المسجدِ إِلا مرةً أو مرتين‏.‏

وللشافعيةِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم صلى على ابني بيضاءَ في المسجدِ‏.‏ هكذا عند مسلم‏.‏ وهو وَهْم فإِنَّ سَهْلا عاش بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وإنما هو سَهْلُ بن بيضاءِ‏.‏ قال السَّرَخْسي في «المبسوط»‏:‏ وفيه مِن تَطَرُّقِ الأَعذار ما لا يخفى نحو كونه معتكِفًا، أو لِعِلَّة المطر‏.‏ بقِيت واقعةُ سعد بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فما تحصَّل لي فيها بعد التنقيح‏:‏ أنَّ أمهاتِ المؤمنين إنما أَرَدْنَ الدعاءَ عليها فقط، فمرَّ بها مَنْ في المسجد وصلَّى عليه خارِجَ المسجد، فتسامح فيه بعضُ الرواةِ وعبَّروا عن دعائهنَّ في المسجد بما أَوْهم صلاتَه في المسجد، مع ثبوت الإِنكار من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم عليها‏.‏ هكذا يُستفاد من «الطبقات» لابن سعد‏.‏

ثُم إنَّ البخاريَّ رحمه الله تعالى لم يخرِّج حديثَ ابني بيضاء، بل أخرج حديثَ النجاشي وهو حُجةٌ للحنفيةِ‏.‏ وحينئذٍ وَسِع لي أن أقول‏:‏ إنَّ البخاريَّ ذهب إلى مَذْهب الحنفيةِ‏.‏ ولا تمسُّك في صلاتِهم على عمرَ وأبي بكر رضي الله عنهما في المسجد، فإِنَّهما قد دُفِنا في روضته الشريفة، ولم يكن الطريقُ إليها إِلا من المسجد، فلما رأوه أنه لا بد مِن إدخالهما في المسجد للدَّفن توسَّعوا في الصلاة عليهما أيضًا‏.‏

فائدة‏:‏

واعلم أنَّ الفرق بين الأحاديثِ القوليةِ والوقائع الجزئية‏:‏ أنَّ تقديرَ المقدَّرات يُستبعدُ في النَّحو الأَوَّل‏.‏ لأنَّ الكلام إذا تَمَّ في مراده فالتقدير زيادةٌ مستغنىً عنها، نعم يَسْهُل تأويلُها أعني به تغييرَ مرادِها بنحوِ اعتبارٍ دون الاحتمالات الخارجية‏.‏

وأما النحو الثاني فإِنه لا عُسْر في حَمْلها على المحامل فلا يُستبعد فيه إِخراجُ الاحتمالات كما علمت آنفًا في الصلاةِ على سَعْد رضي الله عنه‏.‏ وكما مرَّ أنَّه صلَّى خمسًا الحديثَ‏.‏ فإِنَّه يحتمِلُ أن يكونَ جلَس على الرابعة، ويحتمل أن لا يكون جلس‏.‏ فلمَّا استوى الاحتمالانِ فلو حملناه على الجلوس لم يَبْعُد، كيف وإِنَّه محتمِلٌ أيضًا، بخلاف الأحاديثِ القوليةِ، فإِن إبداءَ الاحتمالاتِ فيها قد يعودُ زيادةً على معناها‏.‏

1329- قوله‏:‏ ‏(‏جاؤا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلّم برجلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيا‏)‏ وسيجيء الكلامُ في أنَّ رَجْمهما كان على شريعتِه، أو على شريعةِ موسى عليه السلام‏.‏ وادَّعى الطحاوي رحمه الله تعالى أنه كان بِحُكْم التوراة‏.‏ وربما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم يَحْكُم بالتوراةِ فيما لم يَنْزل فيه شَرْعُه، فإِذا نزلت ترك العملَ بها‏.‏ ولا يُسمَّى هذا نسخًا‏.‏

باب‏:‏ ما يُكْرَهُ مِن اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُور

1330- قوله‏:‏ ‏(‏لَعَن اللَّهُ اليهودَ والنَّصارَى‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ وقد قدَّمنا شَرْحه فيما مَرّ مع بيانِ سَهْو بعض الشارحين سهوًا بينًا‏.‏ وتمسك به اللعين القادياني دجَّالُ هذه الأمة على وفاةِ عيسى عليه الصلاة السلام‏.‏ ولم يَدْر أنَّ الأنبياءَ الذين آمَن بهم اليهودُ قد آمَن بهم النَّصارى أيضًا، بل آمنَّا بهم أيضًا، إلا عيسى عليه الصلاة والسلام حيث أنكره اليهودُ والنَّصارَى كلاهما‏.‏ والباقون كلُّهم مشترِكون فلا دليلَ فيه على كُفْرِه لعنه اللَّهُ وملأَ حضرتَه نارًا‏.‏

ثُم لو سلَّمنا ما يتفوَّه به هذا الشقيُّ لوَجَب أن يكونَ على قبرِه مَسْجِدٌ كما يقتضيه الحديثُ ولا يجدهُ ولو رجع إلى بطن أُمِّه، فهو حيُّ على رغمه كما قد أخبره الله سبحانه، وتواتر به رسولُه الكريم‏.‏ ثُم هذا الآخَرُ الزَّنِيمُ له أقاويلُ في تحقيق قَبْرِه عليه الصلاة والسلام يناقضُ بعضها بَعْضًا‏.‏ فيزعُم تارةً أنه في كشمير المشهور بقبر «يوز آسف»‏.‏ ويدَّعِي أنه مُحَرَّفٌ من لَفْظ المسيح، ولا يستحيي‏.‏ ونِعم ما قال رجلٌ من أهلِ كَشْمير‏:‏ إنه لو كان قبرَ عيسى عليه السلام لكان إلى بيتِ المَقْدسِ، مع أنه إلى بيتِ الله‏.‏ وقد رَدَّ عليه العلماءُ وكتبوا الرسائلَ لردِّ مقالَتِه، فأَلقموه حجرًا فجزاهم اللَّهُ تعالَى خيرًا‏.‏

باب‏:‏ الصَّلاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا ماتَتْ في نِفَاسِهَا

باب‏:‏ أَينَ يَقُومُ مِنَ المَرْأَةِ وَالرَّجُل

يعني أنها وإن كانت لا تصلِّي في حياتها، لكنها إذا ماتت فقد انتهت أحكامُ النِّفاس ويصلَّى عليها كما يصلَّى على غيرها‏.‏

1331- قوله‏:‏ ‏(‏قَامَ عليها وَسَطَها‏)‏ وعندنا يقومُ مِن الرجلِ والمرأة حِذاءَ الصَّدْر‏.‏ وعند الشافعي يقومُ مِن الرجلِ حِذَاءَ الرأسِ، ومن المرأةِ حِذاءَ العَجيزة‏.‏ وهو روايةٌ شاذةٌ عن إمامِنا أيضًا كما في «الهداية»‏.‏ وظنِّي أن مسألةَ الحنفيةِ قويةٌ، فإِنَّ قيامَ الإِمام مقام عقد اليدين، ولهم حدث أبي داود‏.‏ ولا دليل في لفظ «الوسط» فإِنَّه قد قيل فيه أَنَّ المتحركَ منه ساكنٌ، والساكِنَ متحركٌ ولم يتعين واحدٌ منها‏.‏

باب‏:‏ التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ أَرْبَعًا

ورُوي عن أبي يوسف خَمْسُ تكبيراتٍ أيضًا‏.‏ ولنا ما مرَّ آنِفًا‏.‏

1333- قوله‏:‏ ‏(‏خَرَجَ بهم إلى المصَلَّى‏)‏ أشار الراوي إِلى أنه لم يُصَلِّ عليه في المسجد‏.‏

باب‏:‏ قِرَاءَةِ فاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى الجَنَازَة

باب‏:‏ الصَّلاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَ ما يُدْفَن

كما في «التجريد» للقدُوري، وصرح يحيى بن منقاري زاده أستاذ الشُّرُنْبلالي في رسالته‏:‏ «الاتباع في مسألة الاستماع«بالاستحباب، إلا أنها تكونُ كالثناء عندنا لا كالقراءة‏.‏ واستحبَّها أحمدُ رحمه الله‏.‏ وقال الشافعية‏:‏ أَنْ لا صلاةَ إِلا بفاتحةِ الكتاب‏.‏ ولا ريبَ في أَنَّ أكثرَ عملهِ صلى الله عليه وسلّم كان على التَّرْك‏.‏ وصرَّح ابنُ تيميةَ رحِمه اللَّهُ أن جُمهورَ السَّلف كانوا يكتفون بالدعاء ولا يقرؤون الفاتحةَ، نعم، ثبت عن بعضهم‏.‏ ثم هي عند الشافعية بعدَ التكبيرةِ الأُولى ففات عنهم الاستفتاح‏.‏ فقلت لهم أن اقرؤوا بها أربعَ مرات لأن كلَّ تكبيرة في صلاةِ الجنازة تقوم مقامَ ركعةٍ‏.‏ فأَوْلى لكم أن تقرؤا بها أربع مرّات، فإِنَّه لا صلاةَ لمن يقرأُ بها‏.‏

1335- قوله‏:‏ ‏(‏وقال‏:‏ لتعْلَمُوا أنَّها سُنَّة‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ وهذا مِن دأب ابنِ عباس رضي الله عنه أنه يُطلق على بعضِ مختاراتِه لَفْظَ السُّنَّة، كما فَعَله في الإِقعاء مع أنَّ ابن عمرَ صرَّح بنقِيضه وقال‏:‏ «إن الأقعاءَ ليس بسُنَّة‏.‏ على أن في «النسائي» «أنه قرأ بفاتحةِ الكتابِ وسورةٍ، وجَهَرَ بِها»‏.‏ وفي «المنتقى» لابن الجاردو وكله صحيح‏:‏ أنه ضَمَّ سورةً أيضًا‏.‏ فعلى الشافعيةِ أن يقولوا بالجَهْر وضمِّ السورةِ أيضًا إذ قالوا بِبَعْضِها‏.‏ ثُمَّ في «تاريخ مكة» للأزرقي- وهو إِمَامُ الحديث متقدِّم على البخاري- عن ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ أَنَّه سُئل عَمَّا يفعل داخلَ البيت‏.‏ قال‏:‏ يكبِّر عند الأَركانِ كالتكبيراتِ على الجنائز»‏.‏ مع أنه ينفي الصلاةَ في داخل البيت، فعلم أنْ لا فاتحةَ عنده في الجنازة‏.‏ وتلك مبالغاتٌ فقط تأخذُ الرَّجُلَ عند الأحوال‏.‏

باب‏:‏ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفقَ النِّعَال

1338- قوله‏:‏ ‏(‏هذا الرَّجُلِ‏)‏ وفي «تنوير الحوالك» أنه إشارةٌ إلى المعهودِ في الذِّهن‏.‏

1338- قوله‏:‏ ‏(‏وأمَّا الكافِرُ أو المُنَافِقُ‏)‏ وقد مرَّ في الأَيْمان أنَّ السؤال في القبر عند بَعْضِهم يكون من المسلمِ والمنافقِ دون الكافرِ، وفيه نَظَر كما مرَّ‏.‏

1338- قوله‏:‏ ‏(‏تَلَيْتَ‏)‏ وهو في الأَصْل تَلَوْتَ، فصار تَلَيْت رعايةً لقرينة دَرَيْت، كما قيل في الغدايا والعشايا‏.‏ وترجمته ‏(‏ترني بيروي زكي‏)‏‏.‏

1338- قوله‏:‏ ‏(‏إِلا الثَّقَلَين‏)‏ والعذاب فيه مِن أشياء عالم آخَرَ، كسعة القَبْر وتضييقه‏.‏ فإِنَّها كلَّها مِن عالَم الغيب على أنَّ أوزانَ الأشياءِ ومقاديرَها ليست بأَمرٍ متعيَّن، فإِنَّ الشيءَ الواحِد يُرى صغيرًا وكبيرًا باعتبار آلاتِ النَّظر‏.‏ وكذا يختلفُ وزنُ الشيء الواحدِ عند وَزْنِه بخط الاستواء، ثم وَزْنِه عند القُطْبين‏.‏ وقد ذكر «نيوتن» أن الشيءَ الواحدَيختلفُ ثِقَلا وخِفّةً بحسبِ تَجَاذُبِ الأَرض‏.‏ فإِذَا وَزَنْتَ شيئًا على الأَرْض ثُمَّ وَزَنْته في الهواء تجدُه أَثْقَلَ فإِذَا عَلِمت أَنَّ الشيءَ الواحِدَ يمكنُ أن يكونَ صغيرًا وكبيرًا بحسب المَرْأَى، وكذلك اختلف وَزْنُه بحسب اختلافِ المواضع لم تبق للبَصَر حقيقة‏.‏ فربَّ شيءٍ تَرَاه صغيرًا يمكنُ أن يكونَ كبيرًا في الواقع وبالعكس، فطاحت المقاديرُ رأسًا‏.‏

بقي حالُ الأصوات، فقد تَسْمَعُ من بُعُد بعيدٍ، وقد لا تسمع مِمَّن هو في البيتِ‏.‏ فأيُّ بُعْد في رؤيةِ الميتِ قبرَه القصيرَ مبسوطًا في ستين أو سبعين ذِرَاعًا مثلا، فقد شاهدنا اختلافَ المقاديرِ لشيءٍ واحدٍ في هذا العالم فما البعدُ فيه عند اختلافِ العالَمين‏.‏ على أنه يمكنُ أن يكونَ في الأرضِ شيءُ يقبض ويبسط، كالجسم التعليمي عند الفلاسفة، فيصيرُ ممدودًا عند الثواب، ومقبوضًا عند العذاب‏.‏ وأيضًا يمكنُ أن تترفعَ عنه الحُجُب إلى مسافةٍ متعينةٍ مع بقاء في نَفْسه، كما ترى في بعض الآلاتِ الجديدة‏:‏ يُرى منها باطنُ الإِنسان من فَوْق جِلْده‏.‏ ثُم لا حاجةَ في إثبات عذابِ القبر إلى ما قاله الصوفية‏:‏ أن العذاب على البدنِ المثالي دون المادي‏.‏ وحينئذٍ لا بعد أن لم نشاهدا أحدًا يعذب في قبره، فإِنَّ الأسهل أن يقال‏:‏ إنه مِن عالَم الغيب وإقامةُ الدلائل العقليةِ عليه جَهْلٌ، وَمَنْ يُطِيقُ ذلك‏.‏ وإنَّما يشتغلُ به مَنْ لا يَعْرِفُ الفَرْقَ بين الخَطَابة والبُرْهَانِ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَحَبَّ الدَّفنَ في الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا

ثبت منه جوازُ تمنِّي جوار الصالحين‏.‏

قوله‏:‏ «ففقأ عينه» وإنما فقأت عينه فقط لأَنه كان مَلَكَ الموتِ وإِلا لاندقَّتْ السمواتُ السَّبْعُ مِن لَطْمَةِ غَضَبِه‏.‏ وإِنَّما غَضِب عليه لأَن مِن سُنَّة مَلَكِ الموتِ بالأَنبياء أن يكلِّمهم بالتخيير، فلمَّا تَرَكها وأخبَرهُ بالوفاةِ أخذْتهُ الغَضْبةُ فلَطَمه‏.‏

1339- قوله‏:‏ ‏(‏بكُلِّ شَعْرةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ فاللَّهُ تعالى يدري ماذا صار عُمُرِه لو وَضَع يدَه على مَتْن الثَّوْر‏.‏ واللَّعِين القادياني يتعجَّب من عُمُر المسيحِ عليه السلامَ، مع عِلْم اللَّعين أنَّ نوحًا عليه السلام عاش ما عاش‏.‏ وفي البخاري‏:‏ أنَّ كلَّ نبيِّ يخيّرُ بين البقاءِ والفناء قبل وفاتِه، فلو أرادَ أن يعيشَ لعاش بما أراد‏.‏ وقد يَسْخَرُ اللعينُ أنَّ عيسى عليه السلام إذا لَمْ يَنزِل بَعْدُ، مع أنَّ الزمانَ قد انقلب ظهرًا لبطن، فماذا يفعلُ إِنْ ينزل بعده سَخِر اللَّهُ منه أَلا يدري أنه لو جاز إنكارُ المتواتراتِ بِمِثْل هُزْئه لصحَّ إنكارُ القيامةِ أيضًا‏.‏ فإِنَّا قد انتظرنَاها ولم تأتِ بَعْدُ فلعلَّها لا تقومُ والعياذ باللَّه‏.‏ وقد حُكي في القرآنِ مِثْلُه عن بعضِ الملاحدةِ فأَحْي سُنَّتَهم‏:‏ ‏{‏ويقولونَ متى هُو‏؟‏ قُل‏:‏ عِسى أن يكونَ قريبًا‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 51‏)‏‏.‏

1339- قوله‏:‏ ‏(‏عند الكَثِيب الأَحْمرِ‏)‏ ولم يتحقق لي قبره بعد، إِلا أَني أسمع الآن أن السلطان عبد الحميد قد بَنَى على قبره قُبةً، فلا أدري من أين حصل له العِلْم بذلك‏.‏ ولعله اعتمد فيه على خَبر اليهود‏.‏

باب‏:‏ الدَّفنِ بِاللَّيل

باب‏:‏ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القَبْر

وقد ورد فيه النهيُّ عند الطحاوي في «معاني الآثار» بأسناد ضعيفٍ‏.‏ ولكنَّه لئلا تقلَّ الجماعةُ مع أن المطلوبَ تكثيرُها إذا لم تُقصد الشهوةُ والرياء ولذا بَوَّب البخاري بالدَّفْن بالليل ليشيرَ إليه‏.‏

باب‏:‏ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَة

وأقاربُ الميت أَوْلى‏.‏ ويجوز للأَجنبي أَيضًا عند الضرورة، ويجوزُ للزَّوْج أيضًا‏.‏ وما اشتُهر من أنَّ الزوجَ بعد الوفاةِ يصيرُ كالأجانب فليس بشيءٍ‏.‏

باب‏:‏ الصَّلاةِ عَلَى الشَّهِيد

قال الشافعي رحمه الله تعالى‏:‏ لا يُصلَّي على الشهيدِ‏.‏ وفي عباراتِ بعضهم أنها حرامٌ‏.‏

قلت‏:‏ وما أشبه هذا التشديد بما في حواشي «مختصر خليل» أنَّ قضاءَ السُّنة حرام مع أن في كتبِ المالكيةُ‏:‏ عامةً نَفْي القضاء فقط‏.‏ وقال المالكيةُ‏:‏ إن المسلمينَ إن نهضوا إليهم واستُشْهِدوا لا يصلَّى عليهم، وإن نهضَ الكفارُ إلينا يصلَّى عليهم‏.‏ فكأنَّهم قَسَموا على الأَحوال، وفهموا أن في معنى شهداء أُحُدهم الذين هجم عليهم الكفّارُ، وبه يتمُّ أَثَرُ الظُّلْم‏.‏ بخلاف ما إذا هجمنا عليهم فإِنَّه يخِفُّ به أَثَرُ الظُّلْم ولا يكون في معنى شهداء أُحُد، فإِنَّ الكفار فيه كانوا هجموا علينا‏.‏ وقال أحمد رحمه الله تعالى‏:‏ إِنَّها مستحَبةٌ، وإن ترَكَها جاز، وهي واجبةٌ عندنا على كلِّ حالٍ بقي المصنِّف رحمه الله تعالى فلم يُفْصِح بشيءٍ، وأحال الفَصْل إلى الناظرين‏.‏

1343- قوله‏:‏ ‏(‏يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَين مِن قَتْلَى أُحُد في ثوبٍ واحدٍ‏)‏ ولا يجوز الجَمْعُ بين الاثنين إلا بالفَصْل بينهما بنحو إِذْخِر أو غيره‏.‏ وعليه حَمَله عامّةُ الناس‏.‏ وما ألطف شَرْحَ الحافظ ابنِ تيميةَ رحمه الله إن معنى الجمع في ثوب شَقُّه لهما، ليُلَفَّ واحِدٌ في نِصْفِه، والآخَر في نِصْفِه الآخَر‏.‏ وهذا معنى الجَمْع بين الاثنين في ثَوْبٍ، وهو واسِعٌ باعتبار العربية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أَكْثَرُوا أَخذًا للقرآنِ‏؟‏‏)‏ والنَّظَرُ دائرٌ في أَنَّ تقديمه للتعظيم فقط، أو لكونِه أَوْلى بالإِمامة كما في قوله‏:‏ «يَؤم القومَ أقرؤهم»، وللنظر فيه مجالٌ وسيع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولَم يُصَلَّ عَلَيْهم‏)‏ وهو دليلٌ للشافعيِّ رحمه الله تعالى أَو لأَحْمدَ رحمه الله تعالى‏.‏ وقال المحدِّثون‏:‏ إنَّ مذهبَ أحمدَ أقربُ إلى الحديث‏.‏ فالحديث واردٌ علينا‏.‏ ولنا في جوابه سبيلان‏.‏ الأول ما سَلَكه الطَّحاوي رحمه الله تعالى، ثُم تَبِعه الزَّيْلَعي، ثم تَبِعه ابن الهُمام‏.‏ والآخَرُ ما اختاره العَيْني رحمه الله تعالى‏.‏ والأَرْجح عندي ما قاله الزيلعي رحمه الله تعالى‏.‏

وحاصل ما ذهب إليه العَيْنيُّ رحمه اللَّهُ تعالى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يُصَلِّ عليهم إذ ذاك، ثُم صلَّى عليهم قُبيلَ وفاتِه كما تَشْهَدُ به الرواية التالية‏.‏ وفيها‏:‏ فصلَّى على أَهْلِ أَحُد صلاتَه على الميتِ»‏.‏ وفَهِم الشيخُ العَينيُّ رحمه الله تعالى أنه بهذا الصنيعِ يفوزُ باستدلال من حديثِ البخاري، وأنت تَعْلم أنَّ علماءَ المذاهب كلَّهم يتفاخرون بموافقةِ حديث البخاري إيَّاهم لكونِه أصحَّ عندهم‏.‏ وأَوَّله النوويُّ رحمه الله تعالى وقال‏:‏ إنَّ المرادَ مِن الصلاة هو الدعاءُ‏.‏ وردَّ عليه الشيخُ رحمه الله تعالى وقال‏:‏ إنه ليس بتأويلٍ بل تحريفٌ‏.‏ فإِنَّ المفعولَ المطلقَ للتشبيه، فقوله‏:‏ «صلاته على الميت» صريحٌ في أنه صلَّى عليهم كما يُصَلَّى على الجنائز‏.‏

أقول‏:‏ والصوابُ كما قاله النوويُّ رحمه الله تعالى‏.‏ فإِنَّي تَتَبَّعْتُ الرواياتِ فتبيَّن أَنَّ صلاتَه تلك كانت في السَّنة التي مات فيها وكانت في المَسْجد النبويِّ، وإليه يشيرُ لَفْظ البِخاريُّ؛ ثم انصرفَ إلى المِنْبر»، وأين كان المِنْبر في أُحُد‏.‏ فَخُرُوجُه صلى الله عليه وسلّم في تلك الواقعةِ إنَّما هو في المَسْجِد لا إلى أُحُد‏.‏ وإنما أراد بذلك أن يَدْعُو لهم قُبيلَ خروجِه من الدنيا أيضًا لمزيدِ فَضْلهم‏.‏ وحينئذٍ ظهر ما عند أبي داود أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم صلَّى على قَتْلَى أُحُد بعد ثماني سنينَ، كالموَدِّع للأَحياء والأمواتِ‏.‏ انتهى‏.‏ فإِنَّه بعد تلك السَّنةِ لم يبق في الدنيا إلا قليلا، فأَرادَ أن يُوَدِّعَ الأمواتَ أيضًا كما ودَّعَ الأحياءَ فدعا لهم‏.‏ وسها مَنْ زَعَم أن خُروجَه كان إلى أُحُد، فإِنَّه على ثلاثة أميالٍ من المدينةِ‏.‏ ولكنَّ البخاريَّ لما بوَّب على هذا الحديثِ بالصلاةِ على الشهيد، صاغ للعينيِّ أن يَحْمِله على الصلاة المعهودة‏.‏

ومُحَصَّلُ مختارِ الزيلعي‏:‏ أن النفيَ محمولٌ على نَفْي الصلاة مُنفرِدًا، ولكنه كان يصلِّي على العشرةِ والعشرةِ وحمزةُ رضي اللَّهُ معهم‏.‏ ويشهد له ما أخرجه الطحاويُّ عن أبي مالك الغِفَاري قال‏:‏ كان قَتْلَى أُحُد يُؤتَى بِستعة وعاشرُهم حمزةُ رضي اللَّهُ عنه‏.‏ فيصلِّى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم ثُمَّ يُحملون‏.‏ ثُم يُؤتَى بتسعةٍ فَيُصلِّي عليهم وحمزةُ مكانَه، حتى صلَّى عليهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم ولخَّص الذهبيُّ كتاب البيهقي- ولم يُطبع- ومرَّ فيه البيهقي على رواياتِ الطحاوي تلك، وظن أسانيدَه مستقيمةً ولم يَرَ فيها بأسًا‏.‏

قلت‏:‏ ولعلَّه تَرك حمزةَ رضي اللَّهُ عنه مكانَه في كلِّ مرةٍ لمزيدِ البركة، فإِنَّه يُبعث يومَ القيامةِ سيدَ الشهداءِ وإن كفت الصلاة مرةً أيضًا‏.‏ ثُم عند أبي داود في باب الشهيد يُغَسَّل عن أنس‏:‏ «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم مرَّ بحمزةَ رضي الله عنه وقد مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أَحَدٍ من الشهداء غيرِه»‏.‏ ومرادُه أنه لم يُصلِّ مستقِلا إِلا على حمزةَ رضي الله عنه كما علمت‏.‏ فإِنَّه لما كان موجودًا في كلِّ مرةٍ، وكان الآخَرُون يحملونَ واحدًا بَعْد واحدٍ، فكأنَّه صلَّى عليه مستَقِلاّ ولم يُصَلِّ على غيره‏.‏ كذلك وسأل ابنُ الماجِشُون مالِكًا رحمه الله عن الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فأجاب‏:‏ أنَّه صلَّى عليه كما صلَّى على حمزة رضي الله عنه‏.‏ وفي السِّير‏:‏ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم صلَّى عليه عِدَّةَ صلواتٍ‏.‏ فسأله ابنُ الماجِشون مِن أين تقول هذا‏؟‏ فسرَد مالك رحمه الله تعالى إسنادَه‏.‏ وقد استوفينا دلائلُه فيما ألقيناه في درس الترمذي‏.‏

أما وَجْه الخلافِ في الصلاةِ عليهم مع كونِ المسألةِ مما يَكْثُر بها البلوى‏:‏ أنَّ الأَصْلَ في هذا البابِ هو غزوةُ أُحُد، وقد جُمِعَ فيها رجالٌ في صلاةٍ، فعدها بَعْضِهم صلاةً، ولم يعتبرْها بعضُهم لعدم كونها على الشاكلة المعروفةِ، فإِنَّها لم تكن عليهم فُرَادَى فُرَادَى، على أنَّ الشهداءَ يفقدون من المعركة كثيرًا كما يكون اليوم أيضًا، فلا يُصلَّى عليهم‏.‏ فإِذا صُلِّي على البَعْضِ دون البَعْضِ سرى الخلافْ أَلا ترى أن مالكًا رحمه الله تعالى بنى تفصيلَه في الصلاة كلَّه على شهداءِ أُحُدٍ فندخل في ضمان الله تعالى كما دخلوا، ونستغني عن الصلاةِ كما استغنوا‏.‏ وإنْ خرجنا إليهم انتفت تلك المظلوميةُ ولا نكون في معنى شهداء أُحُدٍ، وحينئذٍ يُصلَّى على قتلانا‏.‏

باب‏:‏ دَفنِ الرَّجُلَينِ وَالثَّلاثَةِ في قَبْر

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاء

باب‏:‏ مَنْ يُقَدَّمُ في اللَّحْد

وإنما احتاجوا إليه لكثرة القَتْلى، وإِلا فالجَمْع لا يجوزُ‏.‏

1346- قوله‏:‏ ‏(‏ولم يُغَسِّلْهُم‏)‏ وترجمته ‏(‏غسل نه دلوايا‏)‏ واعلم أن التعديةَ في اللغة الفارسية تحصل بزيادة حَرْفٍ على الفعل اللازم، كقولهم‏:‏ ‏(‏خوردن وخورانيدن‏)‏‏.‏ فليُبْحث في الصَّرف أنَّ مِثْل هذه التعديةِ توجدُ في لغة العرب أيضًا أم لا‏؟‏ ولا أراها ثابتةً فيها ولكن ترجمت التفعيل ههنا على طريق التعدية في اللغة الفارسية، يقال‏:‏ «غسله««أوسكو غسل دايا وغسَّله» «أوسكو غسل دلوايا»‏.‏ والغَرَض مِن هذا التفتيشُ أنه لو ثَبت في الصَّرْف هذا النوعِ من التعدية لكان للمالكيةِ وَجْهٌ في تأويلهم حديثَ التأمين‏.‏ فإِنَّهم يقولون‏:‏ معنى قوله‏:‏ «إذا أَمَّن الإِمام» «وجب أمام آمين كهلوائي»‏.‏ وقد مرَّ تفصِيلُه وليس فعْلٌ في لغةِ العرب عندي يدل على تسخير أحدٍ بهذا الفِعْلِ بِعَيْنه‏.‏

باب‏:‏ الإِذْخِرِ وَالحَشِيشِ في القَبْر

باب‏:‏ هَل يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ‏؟‏

وَكرِه الحنفيةُ إخراجَه إِلا لحاجةٍ شديدةٍ، حتى قالوا إنَّه لا يُخْرَجُ وإن سقط القَبْرُ‏.‏

1351- قوله‏:‏ ‏(‏لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دعاني أبي‏)‏ وكان جابرُ رضي الله عنه حينئذٍ لم يَبْلغِ الحِنْثَ فلم يدخل في الحَرْب‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏فإِذا هو كيومَ وَضَعْتُه‏)‏ وراجع ما عند مالك في «موطئه»‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ‏)‏ والصحيحُ «غير هُنَيَّةِ من أُذْنِه»‏.‏

باب‏:‏ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِي القَبْر

إن كان المرادُ من الغيرِ بني إسرائيل فالحديثُ يدلُّ على مزيدِ تأكيد اللحد، وإن كان المرادُ أَهْلَ مكةَ فَيَخِفُّ الأَمْرُ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَل يُصَلَّى عَلَيهِ، وَهَليُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلامُ‏؟‏

يعتبر عندنا بإسلام الصبيِّ المُميِّز ولا يُعتبرنا بارتداده، وعند الشافعيةِ رحمهم اللَّهُ تعالى لا يُعتبر بإِسلامه أيضًا‏.‏ وكنتُ أَتحيرُّ أنَّهم ماذا يقولونَ في إسلام عليَ رضي الله عنه، فإِنَّه أسلم صبيًّا يدلُّ عليه قولُه‏:‏

قلت‏:‏ لم أجِدْه في تصانِيفه‏.‏ ثُم رأيتُ الشِّبلي نسبَ إلى الحافظِ ابن تيمِيةَ رحمه الله تعالى أنه قائلِ بإِسلام مَن صَدَّق النبيَّ والقرآنَ وإن بقي على اليهودية‏.‏ ولم أجِدْه أيضًا في تصانيف ابن تيميةُ رحمه الله تعالى، ولعلَّه أيضًا افتراءٌ عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكانَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنه مع أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ‏)‏ لأَنَّ أُمِّه أسلمت مِن قبل، حتى قيل‏:‏ إنها أسلمت بعدَ خديجةَ رضي الله عنها، ولم يكنِ العباسُ أظهرَ إسلامَه بَعْدُ‏.‏ فكان ابنُ عباس رضي الله عنهما مع أُمِّه وكانت خيرَ الأَبوينِ دِينًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الإِسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلَى‏)‏ هذا باعتبار التشريع ظاهرٌ، وأما باعتبارِ التكوين ففيه تفصيلٌ‏.‏

1354- قوله‏:‏ ‏(‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسولُ اللَّهِ‏)‏ وغ»رَضُ المصنِّف رحمه الله تعالى أن ابنَ صَيَّاد لو شَهِدَ برسالَتِه، لحَكَم عليه بالإِيمان، مع كونه صبيًّا إذ ذاك‏.‏

1354- قوله‏:‏ ‏(‏فقال عُمرُو رضي اللَّهُ عنه دَعْنى يا رسولَ اللَّهِ أَضرِبْ عُنْقَه‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ وإنَّما لم يذره النبيُّ صلى الله عليه وسلّم فيقتله، لأنه كان حينئذٍ صبيًّا كما في الحديث‏.‏ والوَجْه الثاني ما بيَّنه بنفْسِه الشريفة‏:‏ وهو أنَّه‏:‏ «إنْ يكن هو فلن تُسلَّط عليه«‏.‏ وفيه سرٌ عظيم ينبغي الاطلاع عليه‏:‏

فاعلم أنَّ التكوينَ قد يناقِضُ التشريعَ، لأن التكوِينَ ليس تحتَ التكليفِ‏.‏ فلو انكشفَ التكوينُ على أَحَدٍ لا يتغيَّرُ به التشريعُ أصلا، فلو كُشِف لأَحَدٍ أنَّ فلانًا يُخْتم له على الكفر- والعياذ باللَّهِ لا يجوزُ له أن يُعامل معه معاملةَ الكفار في الحالة الراهنة‏.‏ وهو الذي عَرَض لعليَ رضي اللَّهُ عنه حين سأله ابنُ الكواء‏:‏ أنه يُفتح له أو لا‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فَلِمَ تُحارِب إذَن‏؟‏ قال‏:‏ إِني مأمورٌ‏.‏ يعني به أنَّ التكوينَ وإن كان جرى بالهزيمة أَلا أَنَّ التشريعَ على مكانه لا يتغيرُ به، كما لو لم يُكْشَف عليه‏.‏

فلا ينبغي لأَحَدٍ أن يعملَ بالتكوينِ إِلا للنبيُّ خاصَّةً، فإِنَّه قد يأخذُ جِهةَ التكوينِ أيضًا كما أخذ في قَتْل الدجَّال‏.‏ وهو الذي راعاه في قِصَّة رَجُلٍ اعترضَ على تقسيمِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم فقال‏:‏ هذه قسمةُ لم يُرَد بها وَجْهُ اللَّهِ- والعياذ باللَّه- ولما قال عمرُ رضي الله عنه‏:‏ دَعْني أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافق‏.‏ قال‏:‏ «لَعلَّه يخرجُ من ضِئضِىءِ هذا رجالٌ يقرأونَ القرآن لا يجاوِزُ حناجِرَهم»‏.‏ فلم يقتله، والسِّرُّ فيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم إذ يخبرهم بأمر بنفسه يناسِب له أن يراعيه، فإِنه إِذا أخبرَ أن عيسى عليه السلام يَقْتُلُ الدجَّال يناسِب له أَن لا يتولى قَتْلَه بنفسه، وإِذا أخبر أنه يخرج منه قومٌ كذا، ناسب له أن لا يستبيحَ بَيْضَتَهُم‏.‏ فهذا عملٌ بالتكوين وذا لا يناسبِ إِلا للنبيِّ خاصَّةً‏.‏

1354- قوله‏:‏ ‏(‏آمَنْتُ باللَّهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ وإِنَّما لم يتوجه لجوابه صراحةً تصغيرًا لأَمْرِه، وتَوجَّه إلى ما يليقُ بِشَأنِه على حَدِّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏(‏يس‏:‏ 22‏)‏‏.‏

1354- قوله‏:‏ ‏(‏يَأتيني صَادِقٌ وَكَاذِبٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ وهذا هو شَأنُ الكُهان‏.‏

1354- قوله‏:‏ ‏(‏خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ‏)‏ وهذا أصلٌ عظيمٌ أن لا تَخْلُيطَ في أنباءِ المرسلين، بخلاف الدجاجِلَةِ والكهانِ، فإِنَّهم يَخْلِظون بين الحقِّ والباطل‏.‏

1354- قوله‏:‏ ‏(‏هو الدُّخُّ‏)‏ واتفق الشارِحون على أنه كان خبأ له الآية‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏(‏الدُّخان‏:‏ 10‏)‏‏.‏ ثُمَّ قيل‏:‏ إنه اطلع عليه لاستراقها إبليس، وإلقائها عليه‏.‏ قلت‏:‏ لا حاجةَ إلى هذا العُذْر، بل الكَهَانَة قد تكون فِطْريةً كما ذكره ابن خَلْدُون‏.‏ ثم ذَكَرَ العلومَ التي لها دَخْلٌ في اكتساب المغيبات‏.‏ فالأنبياءُ عليهم السلام يُوحَى إليهم، والكُهان أيضًا تلقى في نفوسهم أشياءُ ناقصةٌ غير أنه لا يوثَقُ بها لبناءِ أَكْثَرِها على الكذب، بخلاف أنباء المرسلين، فإِنَّهم يَحْكُونِ عن الأَصْلِ، فلا تحتمل الكَذِبَ أصلا‏.‏ ومرَّ عليه الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى وقال‏:‏ المرادُ به أَني أرى شيئًا كالدخان، وفي الحديث‏:‏ «أن عَرْشَ إبليسَ على الماء، فلعلَّه رأى شيئًا عليه عَرْشُ إبليس‏.‏ قلت‏:‏ وتجلَّى الربُّ مَجْدُه لما كان في الضبابة جعل يَحْكي عنه وجلس في الدُّخِّ فإِنه أيضًا كالضبابة‏.‏

1354- قوله‏:‏ ‏(‏إنْ يكن هو‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ وفي «الفتح» روايةٌ أنَّ قَتْله قَدَرٌ على يَدِ المسيح عليه السلام‏.‏ وهذا الآخر الزنيم لعين القاديان يَزْعُم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم تُكْشف عليه حقيقةُ الدَّجَّال كما هي- والعياذ بالله، ولا يَدْري أن قولُهُ‏:‏ إن يكن هو ليس للشك بل هو على حد قوله‏:‏ ‏{‏إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ‏}‏ ‏(‏الزخرف‏:‏ 81‏)‏، وإنما يخرجُ التعبيرُ هكذا حيثُ يقصد إبرازُ الجزء الواحد على طريق الضابطة الكلية، فتأتي فيه العبارةُ كما ترى‏.‏ أو كقوله في المُحَدَّث‏:‏ «إنْ يكن من أمتي أَحَدٌ فَعُمَر»- أو كما قال ، ويجيءُ تحقيقُه إن شاء الله تعالى‏.‏

وفي البخاري تَصريحٌ بأنه كان يَعْلم أنَّ ابن صَيَّاد لم يكن الدجَّالَ الأكبرَ، كما في الجهاد‏.‏ وفي «مصنف عبد الرزاق»‏:‏ «أيُّها الناسُ إنَّ ابنِ صَيَّاد ليس الدجَّال الأكبر»- وفيه قال‏:‏ أكثرَ الناسُ في مُسَيْلمةَ قبل أن يقولَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم فيه شيئًا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إنَّه كَذّابٌ بين ثلاثينَ دجالا، يخرجون بين يَدَي المسيح»‏.‏ فالثلاثون مقيَّدُون بهذا القيد، ويمكن أن يكونَ بعده عليه الصلاةُ والسلام أيضًا دجَّالون آخَرُون‏.‏ وحينئذٍ لا تعارُض بين الأحاديثِ المتعارضة في عدد الدَّجَاجِلَة‏.‏ فإِنَّ بعضَها فيمَن يظهَرُون قَبْله عليه الصلاة والسلام‏.‏

قوله‏:‏ وآخرون فيمن يخرجون بعده والأمر عند الله تعالى «يختل» داؤ كرنا‏.‏

355- قوله‏:‏ ‏(‏بيَّن‏)‏ ليس معناه أنه بَيَّن بلسانه، بل غَرضُه أَن لو تَرَكْته لانكشف أَمْرُه‏.‏

1356- قوله‏:‏ ‏(‏فقال‏:‏ أَطِع أبا القَاسِم، فأَسْلَم‏)‏ ولعلَّه لم يبلغ الحُلْم إذ ذاك‏.‏ ولما أَسْلَم قبل أن يُغَرْغِر اعتُبر إسلامُه‏.‏

حديث أبي هريرة في أن‏:‏ «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرِ»

واعلم أنَّ الحديثَ المذكورَ لم يَزْل معركةً من زمنِ الأئمة، حتى سُئل عنه عبدُ الله بنُ المبارك، ومحمدُ بن الحسن‏.‏ ونَقل أبو عبيد- وهو تلميذ محمد- كلماتٍ عن شيخه في شرح هذا الحديث ينبغي أن يراعيها الباحِثُ أيضًا‏.‏ وبحث عليها الحافِظُ ابن القيم رحمه الله تعالى في «شفاء العليل» على نحو ثماني وريقاتٍ، وجزم بأن المرادَ مِن الفطرة الإِسلامُ‏.‏ وادَّعَى أنه هو عُرْف القرآنِ والحديث‏.‏

وحينئذٍ حاصل الحديث‏:‏ أن كلَّ مولودٍ ولو كانت في بيت كافر فهو محكومٌ عليه بالإِسلام عنده حتى يتكلمَ، أو يبلغَ الحِنْث، كذا يُستفاد من حديث «مسلم»‏.‏ فإِن قلتَ‏:‏ فما بال صِبيان المشركين الذين ماتوا في صِباهم لا يصلَّى عليهم، فإِنَّهم حينئذٍ مُسلمون‏.‏

قلتُ‏:‏ لأنَّ هذا الحديث وَرَد في النجاة وعدمِها، فهو من باب الآخرة دون أحكام الدنيا، فلا يصلَّى عليهم في الدنيا، ويُحْكَم عليهم بالإسلام باعتبار الآخرة، وينجون من عذابِ الله‏.‏ واستدل عليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِطْرَة اللَّهِ التي فَطِرَ النَّاسَ علهيا ذلك الذِّيْنُ القَيِّم‏}‏ ‏(‏الروم‏:‏ 30‏)‏ حيث جعل فيه الفطرة دينًا‏.‏ قلتُ‏:‏ ليس فيه ادَّعاه لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 36‏)‏ ذلك الدِّين القيِّم‏.‏ فجعل فيه الأمْرَ التكويني وهو كونُ عِدّة الشهور إثنا عشرَ شهرًا دَيْنًا، وحكم بأن النسئة خلافُ الدَّين‏.‏ فالصوابُ عندي أنَّ الفِطرة من مقدِّمات الإسلام لا عَيْنه‏.‏ فهي جِبِلَّة متهيئةٌ لقبولِ الإسلام وبعبارةٍ أُخْرى هي استعدادُ في الولد له بُعْد من الكفر وقُرْب من الإسلام‏.‏ وبعبارةٍ أُخْرَى هي عبارةٌ عن خلوٍ بُنيتهِ عَمَّا يَحُثُّهُ على الكُفْر‏.‏

وحينئذٍ حاصلُ الحديث‏:‏ أنَّ الوَلَد المولودَ مِنْ بطن كافرٍ ليس في بُنْيتِهِ جزءٌ من الكُفْر‏.‏ ولولا القوادِحُ ولاموانِعُ لبقي أَقْرَبَ إلى الإيمان، وأَقْبَل له، وليس فيه حُكْم بالإسلام، وأي فائدة في الحُكْم بالإسلام، ثُمَّ الحُكْم باليهوديةِ والنَّصرانية بعد بُرْهة‏.‏ وهذا الاستعدادُ القريبُ هو الذي سمَّاهُ اللَّهُ دِينًا في قوله‏:‏ ‏{‏فِطْرَةَ الَّهِ التي فَطَر الناسَ عليها‏}‏ إلخ وفي الحديث أيضًا ما يدلُّ على هذا المعنى، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم سَمِعَ في سَفَر صوتَ راعٍ يقولُ‏:‏ اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ فقال‏:‏ على الفطرةِ، فإنَّها كلمةٌ يعتقِدُ بها العرب أيضًا‏.‏ ولما شَهِد بالتوحيد والرسالةِ قال خرج من النار‏.‏ فتبيَّن أنَّ الفِطْرةَ غيرُ الإيمان‏.‏ فإنَّه لم يَحْكُم عليه بالنجاةِ اللازمة للإيمان ما لم يَسْمع منه الشهادتينِ مع حُكْمه عليه بكونِهِ على الفِطْرة‏.‏ فالفطرةُ شيءٌ لا يوجِب النجاةَ، بخلافِ الشهادتين فهي مقدِّمةٌ للإيمان، كالأمانة فإنها ليست بإيمانٍ أيضًا، بل مقدمةٌ له وهي عبارةٌ عن عَدَم خداع أحدٍ، ومنه اشتقَّ الإيمانُ وهو معنى قوله‏:‏ «لا إيمانَ لِمَنْ لا أمانةَ له»‏.‏ وهو المرادُ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا عَرَضْنَا الاْمَانَةَ‏}‏ ‏(‏الأحزاب‏:‏ 72‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ وقد قررناه فيما سِبق‏.‏

فإن قلت‏:‏ إنَّ الفهطْرةَ إذا لم تكن عينَ الإسلام لم يكن في الحديث مَدْحُ الإسلام، مع أنَّ المسوقَ له ذلك‏.‏ قلت‏:‏ كيف لا‏؟‏ مع دلالته على أنه ليس في فِطرةِ الإِنسان شيءٌ يخالِفُ الإِسلام،أو يَجُرُّه إلى الكُفْر‏:‏ بل فيها ما يُبْقى به أَقْرَبَ إلى الإِسلام وأَقبلَ له، لولا العوائقُ فهو مَدْحٌ عَظِيم‏.‏ وهو معنى قولهم‏:‏ إنَّ الإِسلام دينٌ فِطْري، فإِنْ قلت‏:‏ إنَّ الفِطْرة إذا كانت عبارةً عن الاستعداد فهو الطَّرفان فما بقي مَدْحُ الإِسلام‏.‏

قلت‏:‏ بلى ولكنَّ استعدادَ الإِسلام قريبٌ، واستعدادَ الكُفْر بعيدٌ لكونِه من جهة الموانِع‏.‏ فهو مَدْحٌ للإِسلام أي مدح، ولا سيما إذا اسُتدل عليه بِتَمْثيل البهيمة، فإِنْ قلت‏:‏ فما معنى قولهه صلَّى صلى الله عليه وسلّم «إِنَّ الشقاوةَ والسعادةَ في بَطْن الأم»- بالمعنى ، وقول الخَضِر عليه السلام‏:‏ «طبع يوم طبع كافرًا»‏.‏

قلت‏:‏ إن الشقاوةَ والسعادةَ أقربُ إلى التقدير، وهو نحوٌ من عِلْمه تعالى، فيُقَدِّر باعتبارِ ما يؤولُ إليه الحالُ من الكَفحر والإِيمان، والفِطرةُ أقربُ إلى الحسِّ على ما عرفت‏:‏ أنها عبارةٌ عن خُلُوِّها عما يحضُّه على الكُفْر وعدم اشتمالِها على جُزءه من الكُفْر والإِيمان حِسًّا، فليس في بُنيتِه ومادتِه ما يوجِبُ الكُفْر، وبعبارةٍ أُخْرى أنَّ الْفهطرة تلبس بهيئةٍ لو استُبقي عليها لم يَعْدِل إلى الكُفْر فَخُلُوّه عن الكُفْر مُطْلقًا هو المسمَّى بالفِطْرة، وهو المقدمةُ للإِسلام، وهذا أَمْرُ غير التقدير، بخلاف الشقاوةِ والسعادةِ، فإنَّها عبارةٌ عمَّا عَلِمه اللهاُ مما يأتيه بعد البلوغ من حسنة أو سيئة، فإِن أحسنَ إِسلامه يُقَدَّرُ له السعادةُ، وإن أساء تُقَدَّرُ له الشقاوةُ، فيهما يحتمعان مع الفِطْرةِ على حَدِّ قولهم‏:‏ إنَّ في الهَيُولَى استعدادًا لجميع صُوَر النوعيةِ، مع أنها لا تتناوبُ عليه إلا صورةً بعد صورة، وتكونُ كلُّ منها معدةً للأُخْرى، ولا يمكنُ اجتماعُهَا لتضادها، فإنَّها جواهرُ عندهم‏.‏ والجواهر عنده متضادةٌ فلا يمكن تواردها إلا بالتناوب، كالماء فإنه يتكون من هواء، فما دام اتصفَ بالصورةِ المائية لم يمكن أن يتصَفَ بالصورةِ الهوائية، إلا أن فيه استعدادً بعيدًا لتلك الصورةِ أيضًا‏.‏ فإذا سخن الماءُ ازدادَ فيه استعدا الصورةِ الهوائية شيئًا فشيئًا، فإذا تمَّ استعدادُهَا الصورةَ الأُولى وتلبَّس بالأُخْرى‏.‏

ولي فيه نَظْم‏:‏

ولادَ الوليد على فِطْرةٍ *** كتكريرِ لَفْظٍ بلا فائدة

فأبدوا قيودًا وأبديتُهُ *** عرا عن الكُفْرِ أو زائدِهِ

يعني به أن الفطرةَ بمعنى الخِلْقة لغةً، فلا فائدة في ذِكْرِهَا بدون قَيْد، فإنَّه على وزان قولهم‏:‏ «كلُّ مولودٍ يُخلق على الخِلْقة» ولا معنى له، فلذا أبديتُ فيه قَيْدًا ليكونَ مُفِيْدًا، وهو الخِلْقَةُ المتهيأةُ للإِسلام والخاليةُ عن الكُفْر‏.‏

كجرةٍ تُكْسَرُ من صدمة *** وإلا فتبقى مدى زاهده

فالفِطْرة كالقارورة إن حَفِظتها من التصادم تبقى في يدكِ سالمةً أبدَ الدهر، وإن تغافلت عنها تَتَكَسّر بأدنى صَدْمة تُصِيْبُهَا‏.‏

ثم ذكر الشيخُ الفَرْقَ بين الفطرةِ ولاشقاوة‏.‏ فقال‏:‏

فكان الشقيُّ على فِطْرةٍ *** وأمَّا الشقاءُ ففي عائده

فالشَّقْيّ أيضًا كان على الفِطْرة في بدءِ أمره، لكنَّه لما لم يَحْفَظهَا وغيرها صار مآلُهُ إلى الشقاوةِ، فالفِطْرة لا تناقِضُ الشقاوةَ، ألا ترى أن الحديثَ بنفسه حَكَم على كلِّ مولودٍ بالفِطْرة، ثُمَّ ذَكَرَ شقاوتهم وهو اليهودية والنصارنية، فدل على أنَّ الشقاوةَ لا تصادِم كونَه على الفِطْرة فافهم‏.‏ وقد نبهناك فيما مرَّ أن التعدية في العربية هل تثبتت على طريق الفارسية أيضًا أم لا‏؟‏ بأن تدل على تسخيرِ أحدٍ بذلك الفعلِ واستعمالِهِ به، كما إذا أَمَّن عند المالكيةِ ‏(‏جب آمام آمين كهلواوى‏)‏‏.‏ قال أبو حَيّان‏:‏ إنَّ تعديةَ الأفعالِ مطردٌ والتفعيل سماعي‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إنهما مُطردان‏.‏ وقال آخرون‏:‏ إنهما سماعيان، ولكن ينبغي أن يُنْظر في معنى التعدية ماذا أرادوا به والذي أرى أنَّ التعديةَ بهذا المعنى ليس عندهم إلا ما مرَّ في قوله‏:‏ «لم يغسلهم» من التفعيل، وكذا في قوله‏:‏ «يَهوَّدانه وينصَّرانِه» فلينظر فيه‏.‏

وحينئذٍ فحاصل الحديث‏:‏ أنَّ كلَّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة باعتبار الأَصْل‏.‏ وأمَّا يهوديتُهُ ونصرانيتُهُ فباعتبار جَعْل الوالدَين وتغييرِهم خَلْقَ الله وَمَسْخهم فِطْرَتَه لا باعتبار الأصل، فإنْ قُدِّر ذلك حتى آلَ إليه الحالُ سُمِي بالشقاوةِ‏.‏

فإن قلت‏:‏ إنَّ الفطرةَ إذا كانت مقدِّمة للإيمان دون الإيمان بعينه، لم يتناسب مقابلَتُهُ بالأديان كالهيوديةِ والنصرانيةِ، فدلَّ على أنها عينُ الإِسلام، لأنَّه أيضًا دِيْنٌ فَصَحَّ التقابل‏.‏ قلت‏:‏ بل التقابل صحيحٌ على ما قلت أيضًا، لأن المعنى أن الولد كان قريبًا من الإسلام، فَضَيَّع والداه فِطْرَته فأضاعوه، وأيّ شيءٍ أضاعوا‏.‏ فإن قلت‏:‏ إن الحديث يقتصر حينئذٍ على أحكام الدين عبدت فطرتهم‏.‏ وأما من استمروا على فِطْرتهم كَذَرَاري المسلمين فلا يكونُ لهم فِيْهِ حُكْم‏.‏

قلتُ‏:‏ بلى، ولكنَّ الحديثَ لم يُسق لهم، وإنما سِيق لِمَنْ صاروا إلى الكُفْر بعد التبديل كما ترى في المُشَبَّه به، ففيه أيضًا بيانُ المُغَيِّراتِ‏.‏ وحينئذٍ تَبيَّن لك أنه لا ينبغي فيه ذِكْر الإسلام، فإنَّه ليس من المُغَيِّرات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏}‏‏)‏ ‏(‏الروم‏:‏ 30‏)‏ نهى في صورة الخَبَر‏.‏ والمعنى أنَّ عَدَم التبديلِ كان الدِّيْنَ القَيِّم ولكن الناس يشاقونه ويخالفَونه، وإلا فالتبديل مُشَاهد‏.‏ فإن قلت‏:‏ يلزمُ على ما اخترتَ مِنْ تفسير الفطرةِ نحاةُ أولاد المشركين كافَّةً، فإنَّهم ماتوا على الفِطْرة قبل طُرُو التبديل‏.‏

قلتُ‏:‏ النجاةِ تدورُ على الشقاوةِ والسعادةِ وهي في عِلْم الله لا على الفِطْرة فقط، وإن كانت الفطرةُ دخيلةً أيضًا إلا أنَّ المدار على الشقاوةِ والسعادة السابقتين على الفطرة لما قد علمت أنهما من التقدير، وهو نَحْوٌ من العِلْم السابق على الكل‏.‏ ولذا ذكر في الحديث إنتاج الحيوان، وكونه سليمًا وهذا كلَّه في الْخِلْقة ولم يذكر القَدَر فاعلمه‏.‏

ومنهم مَنْ قال‏:‏ إن الفطرةَ هي قولهم‏:‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قلتُ‏:‏ إنْ أرادوا به القَصْر عليه فليس بجيدٍ، وإن أرادوا أنه أيضًا من جزئياتٍ الفطرةِ فصحيحٌ‏.‏ فإنَّ الإسنانَ مفطورٌ على الإقرار بالربوبية، وفيه أقوالٌ أُخَرُ ذكرها الشارحون فراجعها‏.‏ وسيجيء البحثُ على نجاتهم وعدمِها فيما يأتي والله تعالى أعلم‏.‏